كان تحرير التجارة السورية من أهم متطلبات التحول إلى اقتصاد السوق الاجتماعي إلا أنه ترافق مع تراجع الصناعة السورية

التأجير التمويلي مزايا بالجملة...وتعقيدات بالمفرق
في إطار عملية التحول الاقتصادي نحو اقتصاد السوق الاجتماعي أقرت الحكومة منذ نحو أسبوع مشروع قانون التأجير التمويلي الذي يقضي بتأسيس شركات تأجير تمويلي وشركات إجارة إسلامية على شكل شركات مساهمة بهدف توفير العوامل اللازمة لزيادة تنافسية القطاع المالي وتنويع الخدمات التي يقدمها للمستفيدين.
إلا أن هذا النوع من الاستثمار يقوم على نظام معقد لا تزال الكثير من الدول المتقدمة (كفرنسا مثلاً) تعاني من تعقيداته وتشابك عقوده التي تحتاج إلى تشريعات تستطيع التعامل مع تلك التشابكات، والأهم من هذا إيجاد آلية لتسهيل إجراءات التقاضي وتسريع إجراءات استرداد الأصل في حال أخل المستأجر بعقوده، وتمكن كل من طرفي العقود الموقعة من الحصول على حقوقه بالسرعة القصوى في حال حصول خلاف بين المستأجر والمؤجر، فهل هيأت الحكومة الأرضية التشريعية التي تناسب هذا النوع من الاستثمار؟ وهل استطاعت أن تخلق البيئة الاستثمارية الجاذبة له؟ وهل سنشهد ولادة شركات تأجير تمويلي؟ وهل تسمح تشريعاتنا بأن توظف البنوك فائض سيولتها ضمن هذا النظام؟
للإجابة عن هذه التساؤلات التقت «الوطن» اختصاصي العلوم المصرفية الدكتور رغيد قصوعة الذي عرف التأجير التمويلي بأنه نظام تمويلي يقوم فيه المؤجر(الممول) بتمويل شراء أصل رأسمالي بطلب من المستأجر (المستثمر) بهدف استثماره لمدة تتناسب مع العمر الافتراضي لهذا الأصل مقابل دفعات دورية محددة، مع احتفاظ المؤجر لملكية الأصل وحتى نهاية العقد حيث يكون المستأجر أمام خيار من ثلاثة إما شراء الأصل وإما إعادة الأصل للمؤجر وإما تجديد عقد التأجير مرة أخرى.
وأكد د. قصوعة أن التأجير التمويلي هو أحدى وسائل التمويل التي تلعب دوراً بارزاً في تمويل الاستثمار وخصوصاً بالنسبة للصناعات المتوسطة والصغيرة الراغبة في شراء المعدات والآلات وما إلى ذلك من مستلزمات النشاط الصناعي مع تمويلها على عدة سنوات للتقليل من التكلفة الاستثمارية للبدء في النشاط، ولكنه بيّن أن هناك مجموعة من الشروط لا بد أن تتوافر حتى يكون التأجير تمويلياً إذ يجب أن يقتصر التمويل على الأصول الرأسمالية بهدف الاستثمار وليس الاستهلاك، كما يجب أن يكون الأصل الممول (الأصول والسلع الرأسمالية والمعدات) استثمارياً وعينياً أي أنه لا يشمل الأوراق المالية والتجارية كالنقد والسندات والاستثمار وأذون الخزانة. ويجب أن يشكل الأصل المؤجر ضمانة التمويل ومصدر سداد دفعات مقابل التأجير، وأن تعتبر المبالغ التي تسدد كدفعات مقابل التأجير جزءاً من ثمن الأصل المؤجر، إضافة إلى أنها مقابل الانتفاع بالأصل.
وأن يحق للمستأجر تملك الأصل المؤجر في نهاية عقد التأجير التمويلي بعد أن تكون دفعات بدل الإيجار قد غطت تكلفة الأصل وهامش ربح محدد أو أن يحق له المشاركة في قيمة بيع الأصل المؤجّر في نهاية العقد، أو الحق في تجديد العقد لفترة جديدة.
ومن الشروط الأخرى التي ذكرها د. قصوعة: ألا تقل مدة العقد عن نسبة معينة من العمر الافتراضي للأصل المؤجر، وأن يكون العقد غير قابل للإلغاء، كما يجب أن تبقى ملكية الأصل باسم المؤجر حتى نهاية العقد.
وعن المزايا التي يوفرها التأجير التمويلي بيّن د. قصوعة أن هذا النوع من الاستثمار يُمكن الشركات من حيازة الأصول الرأسمالية اللازمة لنشاطها دون الحاجة إلى تجميد جزء كبير من أموالها إذا ما قامت بشرائها، حيث يقدم تمويل حتى 100% من ثمن الأصل ما يتيح لها سيولة أكبر يمكن استخدامها في أوجه النشاط الأخرى وبصورة خاصة تمويل دورة رأس المال العامل.
كما يتيح للشركة حرية الاختيار بين تملك الأصل من عدمه، إضافة إلى أنه يحمي المستأجر من انخفاض قيمة الأصل نتيجة للتقدم التكنولوجي، وتيسير عمليات الإحلال والتجديد، ومواكبة التطور التكنولوجي ما يسهم في زيادة القدرة التنافسية للمنتجات، هذا بالإضافة إلى حماية المستأجر من ارتفاع تكلفة التمويل حيث يتم تسعير الفائدة التي تمثل عائد الشركة على أساس ثابت طوال مدة العقد.
كما يحقق وفراً ضريبياً، لأن الإيجار الذي يدفعه المستأجر للمؤجر يخفض من دخله الخاضع للضريبة، كما أن التمويل التأجيري يخفي الديون، فلا تظهر الديون الناجمة عن التأجير التمويلي في حسابات الشركة المستخدمة لهذا النوع من التمويل، ولا في قوائمها المالية وبالتالي يخفف من درجة الرفع التمويلي الظاهرية، إضافة إلى تخفيفه العبء عن رأس المال العامل، فإذا كان البنك يغطي في القروض التقليدية من 60 - 80٪ من قيمة الأصل، فتصل التغطية في هذا النوع من التمويل إلى 100٪ أحياناً وبالتالي فإنه يحرر كمية لا بأس بها من النقود لتمويل العمليات الإنتاجية والجارية.
ولكن على الرغم من كل تلك المزايا التي يتمتع بها أسلوب التأجير التمويلي الذي يشجع ظهور شركات كبيرة، إضافة إلى تشجيعه الناس على إنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة بكلف معقولة، إلا أن د. قصوعة يرى أن الخلل في الاستثمار لا يكمن في التمويل فقط، فالمشكلة بحسب رأيه تتعدى توافر الفوائض المالية إلى القوانين والتشريعات والبيئة الاستثمارية الجاذبة.
ففيما يتعلق بالجانب التشريعي والتنظيمي يقر د قصوعة بأن هذا النوع من التمويل يعد من العمليات المعقدة والمتشابكة إذ إن عقد التأجير التمويلي يتكون من أربعة عقود متداخلة هي عقد إيجار، وعقد تمويل بالانتفاع، وعقد وعد بالبيع، وعقد بيع، وهذا التعدد في العقود والصيغ المتشابكة يخلق مشكلات عديدة. حتى في الدول التي عرف هذا النوع من التمويل فيها منذ خمسينيات القرن الماضي فرغم التاريخ العريق لهذا التمويل فيها، إلا أن المشرع فيها يواجه مشكلات عديدة في هذا الموضوع حتى اليوم. لذا لا بد من الانتباه إلى أن قانون تأجير تمويلي يجب أن يتيح ويضمن سرعة التقاضي ومن الممكن أن تكون هناك محكمة متخصصة للفصل في النزاعات التي يمكن أن تنشأ بهدف ضمان سرعة التقاضي واسترداد الأصل محل العقد في حال التعسر وكذلك. كما أن القانون يجب أن ينظم موضوع السجل الصناعي وسجل خاص للأصول الممولة بهذا النوع بشكل يضمن لكل ذي حق حقه فلا المستأجر يستطيع التصرف بالأصل بخلاف العقد ولا الممول يستطيع استرداد الأصل مثلاً قبل انتهاء العقد أو حرمان الطرف الآخر من تنفيذ خياره في نهاية العقد.
داماس ايكو - عبسي سميسم










أضف تعليقك